إن الصامتين في المجتمع .. وإن بدوا كذلك .. فإنهم لا يبقون هكذا على الدوام إن صوتهم يرتفع بأسلوب أو بآخر .. من حين إلى حين فهو يجلجل إلى الآفاق عند الصلاة وعند الدعاء .. في حلقات الذكر ، في رحاب المساجد والكنائس والمعابد يرتفع إلى الآفاق في ملاعب الكرة .. وفي الملاهي والبارات ، يرتفع بالنكات ذات المضمون السياسي والاجتماعي يرتفع عن طريق الرسائل الشفاهية للموتى وعن طريق الكتابة والرسم على جدران المباني ، وفي داخل دورات المياه العمومية ..............د/ سيد عويس .. من كتاب (هتاف الصامتين)

السبت، 24 أكتوبر 2009

عطور عائلية / قصة قصيرة



عطور عائلية
في تجمعٍ مهيب لكل أفراد العائلة، العريقة أصولها لآلاف السنين، وبحضور الأصدقاء المقربين، وبعض العناصر القريبة من مراكز صنع القرار... وتحت حراسةٍ أمنيةٍ مشددة، كان الاحتفال بزواج أحد أفراد العائلة - الذي يأتي ترتيبه الثالث عشر من إخوته البالغين ستة وعشرين، ما بين أخٍ وأختٍ من أبٍ واحدٍ وثلاث أمهات، والعروس التي يأتي ترتيبها الخامس بين تسعة عشر من الإخوة والأخوات من أبٍ واحد وأربع أمهات.
*****
اتسمت احتفالات العائلة في الفترة الأخيرة بالسرية التامة، واحتياطات الأمن المشددة، نظرا لحالة الكره والعداء التي استحكمت بين أفرادها، والتي تجلت سابقا في عديد من المناسبات، فهي إذن وضعية ليست غريبة عليهم، وقد تجاوزوا ما هو أكثر محنة من قبل، وتمكنوا من الحفاظ على نقاء العائلة، وعدم اختلاطها بعناصر أخرى من خارجها.
*****
تضمنت بطاقة دعوة العُرس طلبا بدا غريبا للمدعوين، مفاده حظر استعمال أي نوع من أنواع العطور.. ورغم أنهم لم يفهموا مغزى ذلك الطلب، إلا أنهم التزموا به. وأثناء دخولهم مكان الاحتفال، عرض عليهم الحراس عطراً ليشتموا رائحته بدقة، حتى يمكنهم تمييزه. وأخبروهم أنه في حالة انتشار رائحة ذلك العطر في المكان، يجب عليهم الامتثال لأوامر وتعليمات أفراد الأمن بسرعة، حتى يتسنى لهم تأمينهم من أي خطر قد يحدق بهم.


بدأ الاحتفال بمرور العروسين عبر ممرٍ طويل زينته ألوان مزركشة وإضاءة خافتة جداً، يصاحبها إيقاع هادئ، ينسجه المدعوون بأفواههم دون استخدام آلات موسيقية، في واحدٍ من الطقوس المعتادة للعائلة في مثل هذه الاحتفالات، حتى وصلا إلى مكان الجلسة المخصص لهما، حيث قام أب العريس وأم العروس بتقبيل وجنتي عروسيهما، ثم قام العروسان، بعد أن جلسا لدقائق معدودة، بالسير في بهوٍ كبير طويل، تعكس جدرانه وسقفه المُقبَّب، أشعة أضواءٍ خافتة غير منتظمة، لتصنع مزيجا دافئا من الألوان يتدرج بين القاتم والفاتح... يوزعان النظرات والابتسامات ويصافحان المدعوين... العروس تسير بجوار والد العريس ليقدمها لبقية أفراد عائلته، والعريس بجوار أم العروس لتقدمه إلى بقية أفراد عائلتها.

كانت خطة الأمن دقيقة جدا، وقد أشرف على إعدادها والتدرب على تنفيذها عناصر من خيرة شباب العائلة .. وهي تقوم على مبدأ التراجع السريع لمواقع أكثر أمناً، تحت إشراف ست مجموعات أمنية تشكل دوائر حول مكان الاحتفال، وتبعد كل مجموعة عن التي تليها مسافة محسوبة بدقة، لتضمن وصول رائحة العطر من المجموعة الأمنية إلى المجموعة التي تليها خلال ثوانٍ... وهكذا دواليك حتى تصل رائحة العطر إلى الحلقة السادسة التي تحيط بالمدعوين مباشرةً، فيبدأون التحرك بشكل منظم إلى مخابئ سرية يصعُب الوصول إليها... وكل ذلك من أجل تأمين العروسين وبقية أفراد العائلة.
*****
في جوٍ أسري تحفُّه المحبة والحنان، وبينما كان العروسان، وبقية أفراد العائلة وجموع المدعوين يستمتعون باحتفالهم: يعزفون لحنهم الخاص، ويلتهمون ما لذ وطاب من أشهى المأكولات، ويرتشفون مشروبهم العائلي الخاص الذي هو خليط من الدماء المثلجة، والمحفوظة منذ قرون في زجاجات زاهية الألوان.

في تلك الأثناء، كان الجياع قد عرفوا طريقهم إلى الشارع، يسلبون وينهبون كل غث وثمين، فيما كانت العساكر تلاحقهم في كل مكان.
***
في الأزقة والدروب، وعلى مقربة من المصانع والمزارع، وأيضا على مقربة من مكان الاحتفال، مات الكثيرون وسالت دماؤهم الساخنة في كل الساحات، وغطت رائحتها على كل العطور الأخرى، فارتبكت خطة الأمن، ووقعت الواقعة...


تمت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق