إن الصامتين في المجتمع .. وإن بدوا كذلك .. فإنهم لا يبقون هكذا على الدوام إن صوتهم يرتفع بأسلوب أو بآخر .. من حين إلى حين فهو يجلجل إلى الآفاق عند الصلاة وعند الدعاء .. في حلقات الذكر ، في رحاب المساجد والكنائس والمعابد يرتفع إلى الآفاق في ملاعب الكرة .. وفي الملاهي والبارات ، يرتفع بالنكات ذات المضمون السياسي والاجتماعي يرتفع عن طريق الرسائل الشفاهية للموتى وعن طريق الكتابة والرسم على جدران المباني ، وفي داخل دورات المياه العمومية ..............د/ سيد عويس .. من كتاب (هتاف الصامتين)

السبت، 24 أكتوبر 2009

حواس القاهرة الخمس / مقال

حواس القاهرة الخمس


كم هى صعبة رحلة العودة إلى البيت لينعم الفرد بالراحة والسكينة مع أسرته ، بعد يوم عمل طويل وشاق فى مدينة .. فقدت كل حواسها .. مدينة ، على الرغم من أنها لازالت حية وقاهرة ، إلا أنها ، لا ترى ولا تسمع من كثرة الضباب والضجيج المحيط بها ... فقدت حاسة الشم بعد أن امتلأ أنفها بالروائح النافذة من مقالب القمامة المنتشرة هنا وهناك ، لا تتذوق ما تقدمه من أطعمة ملوثة لأبنائها وبناتها ، هى ، لا تستطيع حتى أن تميز بين من يربت على كتفيها ، وبين من يركلها فى مؤخرتها بشدة وعنف .

مستويات تلوث المياه والهواء والتربة والضوضاء تجاوزت المعايير المسموح بها دوليا ، وأصبحت القاهرة واحدة من أكثر مدن العالم تلوثا ، لدرجة أن شركات السياحة الأجنبية أصبحت تحذر عملائها من الإقامة بها فترة طويلة ، وتنصحهم بالابتعاد عن تناول المياه والخضروات الطازجة بها ، فقط لأنه يتم غسيلها بالمياه المتدفقة من صنابير المياه التى يشرب منها أغلب المقيمين بالقاهرة.

كم هى صعبة مثل تلك الرحلة ، رحلة العودة إلى البيت ، خاصة لو كان الفرد يمتهن عملا من الأعمال الشاقة ، كأن يكون "سواق عربية كارو" ، يعانى حرارة الشمس الحارقة فى الصيف ، وبرودة الطقس فى الشتاء ، أو "مبيض محارة" يقضى معظم وقته وسط أسمنت ورمل وأتربة ، أو أن تكون مثلها .. علياء .. بائعة الملابس ذات الثمانية عشرة ربيعا ، والتى تستقيم فوق قدميها لأكثر من عشر ساعات يوميا فى ذلك المول (المركز التجارى) الضخم بمنطقة المعادي الراقية قبل أن تعود إلى بيتها البسيط في عزبة خير الله .. المهملة.


عزبة خير الله ، كما العديد من المناطق العشوائية التى تنامت كثيرا فى العقود الأخيرة حتى أصبحت تشكل أكثر من 60% من إجمالي المناطق السكنية بالقاهرة الكبرى ، تنتشر فيها القمامة بكميات كبيرة على جانبى الشوارع ... تنعدم الإضاءة تماما ... يصعب السير على الأقدام أو حتى الدخول بالسيارات لتدهور حالة الأسفلت .. الكلاب الضالة تبحث عن زادها وسط القمامة .. الشباب المدمن يتسكع على جانبى الطريق ...

"علياء" .. فتاة .. حلوة الملامح ، باسمة الثغر ، حالمة ، تحلم كثيرا ببيئة نظيفة .. تحلم كل يوم ، أثناء عودتها بعد منتصف الليل ، تحاول أن تتناسى ما حولها ، تطلق العنان لخيالها ، تحلم بشارع منير نظيف يقبع فى نهايته محل للورود ، تبتاع منه وردة لأبيها القعيد ، منذ سنين ، وأخرى لأمها العاملة بأحد المصانع الصغيرة ، ووردة ثالثة لأختها التلميذة بالمدرسة الابتدائية.

تحلم ثم تحلم ثم تحلم ، ينال الحلم منها كل يوم ، يغتصبها بإرادتها ، حتى تصل إلى بيتها عند منتصف الليل .. لكنها فى تلك الليلة ، وقبل أن تصل إلى بيتها ، وسط الحلم ... تنزلق قدماها فوق حجر من تلك الأحجار الملقاة وسط بركة مياه الصرف الصحى القابعة ، هناك ، عند مدخل الحارة التى تقطن بها ، لتشكل لها آخر جسر للعودة إلى بيتها ، الغارق فى مياه الصرف الصحى منذ شهور .. تلتقط أنفاسها ، وتقوم من نكستها ، وسط بركة مياه الصرف الصحى ، وهي تصيح بأعلى صوتها ، حرام عليكم يا ولاد الكلب.

أبو بكـر

بورتريه / قصة قصيرة

ثمة رابطة قوية بين رفض المظهر والخوف من الصورة بكل أشكالها،
وبين الخوف من الحواس والخوف من الجمال ..
.. وأيضا .. مقت المادة

(ميشيل مافيزولي - تأمل العالم)
________________________________________


بورتـريــه

زاوية أولى: روتيــن

... يتناول إفطاره فى تمام السابعة صباحا، يتصفح الجريدة وهو يحتسي الشاي ... يرتدى ملابسه، ثم يلقي السلام على زوجته، ويغادر في تمام الثامنة إلا الربع متوجها إلى عمله.

... فى طريقه إلى العمل يتوقف – مجبرا- أمام "مزلقان" السكة الحديد الذي يغلق يوميا في تمام الثامنة إلا خمس دقائق لمرور "القطار السريع" الذي لا يتوقف في بلدته الصغيرة .. هو لم يفكر أبدا في الخروج من منزله مبكرا أو متأخرا بضع دقائق فيتجنب الانتظار.. لأنه يفضل أن يستغل تلك الدقائق في ممارسة طقوس التأمل... في أحواله وأحوال أسرته.. بلدته.. وطنه.. والعالم الذي أصبح يطل عليه عبر القنوات الفضائية...

وككل يوم، يسمع صوت جرس عال فيعرف أن "القطار السريع" قادم، وككل يوم يخلف القطار بعد عبوره غبارا كثيفا، فيقوم عامل المزلقان بنزع السلسلة الحديدية من على جانبي الطريق، ويلقيها على الأرض فتحدث بعض الضجيج الذي سرعان ما يتوارى خلف ضجيج الناس والسيارات والدواب... وهي تعبر القضبان الحديدية متوجهة إلى الجانب الآخر من البلدة لممارسة روتيناتهم اليومية المعتادة...

زاوية ثانية: خيالات

كثيرا ما سيطرت عليه رغبة قوية فى رؤية بورتريه لذلك "القطار السريع"، ووفي كل مرة، وقبل أن ينفض هذه الرغبة الجامحة من خياله، يكون القطار قد مرق سريعاً، فينفتح المزلقان، ويعبر شريط السكة الحديد.. ذاهبا إلى عمله بمصلحة الموازين والمكاييل ... ومثل كل يوم، يتابع مهام وظيفته دون همة ونشاط، وطبعا دون خيال أو إبداع، فهو مجرد كاتب حسابات...


زاوية ثالثة : حواس

... بينما جموع الناس والسيارات والدواب في سكونٍ لا يخرقه إلا بعض الهمهمات الآدمية وبعض السُعال الخشن، وأصوات الحيوانات: نُباح، مُواء، نهيق... وحركة العيون النعسانة المنكسرة تتابع لحظة مرور القطار السريع ورفع السلسلة الحديدية التى تفصل بينهم وبين العبور لممارسة روتيناتهم اليومية فى الجانب الآخر من البلدة .. وسط هذا السكون يتقدم، فجأة ، مُخترِقا جموع الناس والسيارات والدواب، يرفعُ قدميه النحيلتين ليعبرَ السلسلة الحديدية الواطئة، يسير حتى شريط القضبان القادم عليها القطار، يلف جسده النحيل ويقف معتدلا بعينين صاغرتين يرمق القطار القادم.

... يعلو صوت نفير القطار... تعلو أصوات أبواق السيارات... تنهق الدواب والحمير، يصرخ عامل المزلقان، تعلو أصوات الناس بالنداء... "إرجع .. حاسب الجطر .. حاسب" ...

لا يعبأ بكل الأصوات الصارخة، كأنه لا يسمع، أو كأنه اختزل كل حواسه في البصر وحده، لرؤية بورتريه "القطار السريع" القادم بشموخه وعنفوانه وصلفه.

زاوية رابعة: بورتريه

... يستمر فى الوقوف معتدلا ثابتا كي يرى أوضح بورتريه للقطار، وقبل أن يدهسه بثوانٍ يدير جسده النحيل بمنتهى الهدوء، يسير خطوات قليلة حتى السلسلة الحديدية على الجانب الآخر، يرفع قدمه اليمنى ويتجاوزها، ثم يتبعها بالقدم اليسرى، ويواصل السير إلى جوف الجانب الآخر من البلدة، تاركا جموع الناس المندهشين، الواقفين هنا عند المزلقان: عمياً، صُماً، بُكماً... بعد أن امتلأت آذانهم وأفواههم الفاغرة، وأعينهم الصاغرة بالغبار الكثيف الذي دوما ما يخلفه "القطار السريع"، الذي يمر كل يوم من هنا، دون أن يتوقف عند بلدتنا الصغيرة...

تمت

بعيدا عن ضوضاء المدينة / مقال

بعيدا عن ضوضاء المدينة

بزيارة واحدة لمنطقة منشية ناصر بالقاهرة ، ستعرف أن الأطفال يمثلون السواد الأعظم من العاملين بالورش الحرفية ، يمضون نهارهم بين ضجيج الماكينات والعدد والآلات ، وحينما يحل الليل وتبدأ الورش المنتشرة هنا وهناك فى إغلاق أبوابها ، يبدأون ممارسة حقهم الطبيعى فى اللعب واللهو مع أقرانهم ، يحاولون أن يتناسوا يوم العمل الشاق الصاخب المفروض عليهم بفعل ظروف اقتصادية واجتماعية متدهورة.

جدير بالذكر أن العديد من الدراسات أثبتت أن تعرض الشخص للضوضاء والضجيج لمدة طويلة تضعف مقاومته النفسية ، وتدفعه إلى الاكتئاب والنحول وفقدان الاهتمام بالآخرين ، وتشير قياسات وزارة البيئة المصرية أن مستويات الضوضاء بالقاهرة بلغت ‏95‏ ديسبل ‏(وحدة قياس الضوضاء‏)‏ بينما المعايير المسموح بها لدرجة الضوضاء يجب ألا تتجاوز ‏45‏ ديسبل.

ولكن ، ماذا يفعل هؤلاء الأطفال للهروب في ليلهم الطويل بعد نهار مفعم بالضجيج والضوضاء ... يلتقون سويا وقد ملأ كلا منهم جيبه ببعض القروش القليلة التى يقتطعها من أجره اليومى بعد أن يكون قد أعطى أسرته الجزء الأكبر من أجره.

اللهو مكلف ، خاصة أن منطقة منشية ناصر لا يوجد بها العديد من الأماكن التى تناسب لهو الأطفال فى هذا الوقت المتأخر ، لا يجدون حدائق عامة ، يفكرون فى الذهاب إلى السينما ، ولكن الوقت يكون قد فاتهم ، ولن تعينهم قروشهم القليلة على مثل هذه النوعيات من الفسح واللهو ، فيكون البديل المتاح بوفرة هو .. المخدرات ....

بعض الأطفال يستطيعون شراء المخدرات مثل البانجو أو الحشيش ، وبعضهم لا يمتلك هذه القدرة ، ولكنه يستطيع مناصفة مع اثنين أو ثلاثة من أقرانه أن يشترى زجاجة كوديفان (دواء للسعال) أو حبوبا مخدرة ، أو حتى شراء زجاجة كلة (مادة لاصقة) لاستنشاقها مناصفة.
***
بعيدا عن ضوضاء المدينة ، يمضى العدد الأكبر من هؤلاء الأطفال ليلهم ، يمارسون العديد من العادات السيئة والممارسات السلبية فى أحد الشوارع المظلمة بمنشية ناصر ، وأماكن أخرى عديدة بالقاهرة ، ومثلها مدن أخرى فى الكثير من دول العالم الثالث .. يسافرون منها ، تحت تأثير المخدرات ، إلى عوالم آخرى ، قبل عودتهم إلى بيوتهم الضيقة التى غالبا ما لن ينعمون فيها بأوقات جميلة.

أبو بكر

عطور عائلية / قصة قصيرة



عطور عائلية
في تجمعٍ مهيب لكل أفراد العائلة، العريقة أصولها لآلاف السنين، وبحضور الأصدقاء المقربين، وبعض العناصر القريبة من مراكز صنع القرار... وتحت حراسةٍ أمنيةٍ مشددة، كان الاحتفال بزواج أحد أفراد العائلة - الذي يأتي ترتيبه الثالث عشر من إخوته البالغين ستة وعشرين، ما بين أخٍ وأختٍ من أبٍ واحدٍ وثلاث أمهات، والعروس التي يأتي ترتيبها الخامس بين تسعة عشر من الإخوة والأخوات من أبٍ واحد وأربع أمهات.
*****
اتسمت احتفالات العائلة في الفترة الأخيرة بالسرية التامة، واحتياطات الأمن المشددة، نظرا لحالة الكره والعداء التي استحكمت بين أفرادها، والتي تجلت سابقا في عديد من المناسبات، فهي إذن وضعية ليست غريبة عليهم، وقد تجاوزوا ما هو أكثر محنة من قبل، وتمكنوا من الحفاظ على نقاء العائلة، وعدم اختلاطها بعناصر أخرى من خارجها.
*****
تضمنت بطاقة دعوة العُرس طلبا بدا غريبا للمدعوين، مفاده حظر استعمال أي نوع من أنواع العطور.. ورغم أنهم لم يفهموا مغزى ذلك الطلب، إلا أنهم التزموا به. وأثناء دخولهم مكان الاحتفال، عرض عليهم الحراس عطراً ليشتموا رائحته بدقة، حتى يمكنهم تمييزه. وأخبروهم أنه في حالة انتشار رائحة ذلك العطر في المكان، يجب عليهم الامتثال لأوامر وتعليمات أفراد الأمن بسرعة، حتى يتسنى لهم تأمينهم من أي خطر قد يحدق بهم.


بدأ الاحتفال بمرور العروسين عبر ممرٍ طويل زينته ألوان مزركشة وإضاءة خافتة جداً، يصاحبها إيقاع هادئ، ينسجه المدعوون بأفواههم دون استخدام آلات موسيقية، في واحدٍ من الطقوس المعتادة للعائلة في مثل هذه الاحتفالات، حتى وصلا إلى مكان الجلسة المخصص لهما، حيث قام أب العريس وأم العروس بتقبيل وجنتي عروسيهما، ثم قام العروسان، بعد أن جلسا لدقائق معدودة، بالسير في بهوٍ كبير طويل، تعكس جدرانه وسقفه المُقبَّب، أشعة أضواءٍ خافتة غير منتظمة، لتصنع مزيجا دافئا من الألوان يتدرج بين القاتم والفاتح... يوزعان النظرات والابتسامات ويصافحان المدعوين... العروس تسير بجوار والد العريس ليقدمها لبقية أفراد عائلته، والعريس بجوار أم العروس لتقدمه إلى بقية أفراد عائلتها.

كانت خطة الأمن دقيقة جدا، وقد أشرف على إعدادها والتدرب على تنفيذها عناصر من خيرة شباب العائلة .. وهي تقوم على مبدأ التراجع السريع لمواقع أكثر أمناً، تحت إشراف ست مجموعات أمنية تشكل دوائر حول مكان الاحتفال، وتبعد كل مجموعة عن التي تليها مسافة محسوبة بدقة، لتضمن وصول رائحة العطر من المجموعة الأمنية إلى المجموعة التي تليها خلال ثوانٍ... وهكذا دواليك حتى تصل رائحة العطر إلى الحلقة السادسة التي تحيط بالمدعوين مباشرةً، فيبدأون التحرك بشكل منظم إلى مخابئ سرية يصعُب الوصول إليها... وكل ذلك من أجل تأمين العروسين وبقية أفراد العائلة.
*****
في جوٍ أسري تحفُّه المحبة والحنان، وبينما كان العروسان، وبقية أفراد العائلة وجموع المدعوين يستمتعون باحتفالهم: يعزفون لحنهم الخاص، ويلتهمون ما لذ وطاب من أشهى المأكولات، ويرتشفون مشروبهم العائلي الخاص الذي هو خليط من الدماء المثلجة، والمحفوظة منذ قرون في زجاجات زاهية الألوان.

في تلك الأثناء، كان الجياع قد عرفوا طريقهم إلى الشارع، يسلبون وينهبون كل غث وثمين، فيما كانت العساكر تلاحقهم في كل مكان.
***
في الأزقة والدروب، وعلى مقربة من المصانع والمزارع، وأيضا على مقربة من مكان الاحتفال، مات الكثيرون وسالت دماؤهم الساخنة في كل الساحات، وغطت رائحتها على كل العطور الأخرى، فارتبكت خطة الأمن، ووقعت الواقعة...


تمت

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

عن تلك الغرفةِ .. أحكي / ق ق ج

عن تلك الغرفةِ .. أحكي
لم أبرحها منذ زمـن
أنامُ بها وأصحـو
أقضي حاجاتي
أتنفسُ رائحة زفيري داخلها
أقتاتُ على أشيائها ، التى ، لم يتبق منهاسوى الجدران ، ونافذةٌ مغلقةٍ بإحكام..
نزعتها من إطارها كي ألتهمها
فأتاني من خلفها نورٌ..
أبصرني ، فنظرتُ.
أعلى غرفتي وأسفلها
عن يمينها وعن يسارها
ولم أر سوى فضاءٌ
تحيطه فضاءاتٍ أخرى.
تمت