إن الصامتين في المجتمع .. وإن بدوا كذلك .. فإنهم لا يبقون هكذا على الدوام إن صوتهم يرتفع بأسلوب أو بآخر .. من حين إلى حين فهو يجلجل إلى الآفاق عند الصلاة وعند الدعاء .. في حلقات الذكر ، في رحاب المساجد والكنائس والمعابد يرتفع إلى الآفاق في ملاعب الكرة .. وفي الملاهي والبارات ، يرتفع بالنكات ذات المضمون السياسي والاجتماعي يرتفع عن طريق الرسائل الشفاهية للموتى وعن طريق الكتابة والرسم على جدران المباني ، وفي داخل دورات المياه العمومية ..............د/ سيد عويس .. من كتاب (هتاف الصامتين)

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

من سيرشح البرادعى؟

بقلم د.عمرو الشوبكى ١٧/ ١٢/ ٢٠٠٩

أبدى الدكتور محمد البرادعى، المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية، استعداده للترشح لمنصب رئيس الجمهورية فى حال وضع دستور جديد، وتشكيل لجنة قومية مستقلة لتنظيم الانتخابات تحت إشراف قضائى كامل وفى وجود رقابة دولية، كما طالب بتنقية الجداول الانتخابية، وإتاحة مساحات متكافئة فى جميع أجهزة الإعلام الحكومى للمرشحين، وأعلن عن رغبته فى العمل مع الناس من أجل تعديل الدستور.

وأوضح الرجل أنه ليس على استعداد لأن يدخل لعبة سياسية معروفة نتيجتها سلفا، وطالب بإصلاح المنظومة السياسية الحاكمة للعملية الانتخابية، معتمداً على الناس والشعب، بعد أن رفض الترشح على قائمة أى من الأحزاب الموجودة، واعتبرها مأزومة نتيجة القيود المفروضة على حركتها رغم احترامه لها.

والحقيقة أن قيمة البرادعى لا تكمن فقط فى قامته الرفيعة إنما أيضاً فى نجاحه فى إدارة مؤسسة دولية كبرى كوكالة الطاقة الذرية وفق معايير قانونية ومهنية صارمة بعيداً عن عواطفه المؤكدة تجاه العالمين العربى والإسلامى، وفى مواجهة الضغوط الأمريكية - الإسرائيلية عليه، لأنه اعتمد على القانون والقواعد بعيداً عن أى تحيزات أو عواطف أو ضغوطات.

والمؤكد أن البرادعى طوال عمله الدولى، كدبلوماسى مصرى مرموق، لم يواجه الضغوط الأمريكية والهجوم الإسرائيلى بالهتاف والصراخ على طريقة بعض قوى المعارضة العربية، ولا بالخنوع على طريقة الحكومات العربية، إنما بالقانون وبقواعد القانون الدولى، وهى خبرة تحتاجها مصر فى ظل حالة الفوضى والعشوائية التى تعيشها، وفى ظل قوانين تُفصّل خصيصاً لصالح مسؤول كبير أو صغير، وغياب كامل للمهنية وعشوائية فى السياسة كما فى الاقتصاد.

وإذا كان من المؤكد أن من حق البعض الاختلاف على ما إذا كان البرادعى قادرا على المساهمة فى إصلاح أحوال مصر أم لا.. لكن من المؤكد أيضاً أنه ليس من حق أحد أن يشتم الرجل بهذه الطريقة المسيئة والمؤسفة التى مارسها بعض قادة الإعلام الحكومى.. فاتهامه كذباً بأنه يحمل جنسية سويدية، أو القول بكل بجاحة إنه مدعوم من أمريكا، وكأن مصر تقود محور الممانعة فى المنطقة وليست دولة داعمة بالمطلق للتوجهات الأمريكية إلا فقط فيما يتعلق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان..

وبما أن كتيبة الشتامين فى الصحف الحكومية المصرية لا تدافع عن رؤية سياسية (لأن هناك شكاً من الأصل فى أن تكون هناك أى رؤية سياسية).. فبالتالى أصبح سلاح الشتيمة والاتهامات الرخيصة هو سلاح المفلسين سياسياً.

والمؤكد أن مصر عرفت منذ ثورة يوليو إعلاماً رسمياً موجهاً وكان رموزه يدافعون عن توجه سياسى فى عهدى عبدالناصر والسادات، وبالتالى كان الأمر يتطلب معرفة بالقراءة والكتابة، وقدراً من متابعة ما يجرى فى العالم والهجوم على الخصوم، دفاعاً عن نظام له مشروع وتوجه سياسى، أما حين يكون هذا النظام بلا أى مشروع أو رؤية يتحول الأمر من الدفاع عن قيم الاعتدال التى تتسم بها مصر إلى رفع كم من الشعارات البلهاء لمواجهة رمز عاقل ومعتدل مثل البرادعى، وتصوير مصر زيفا بأنها دولة ممانعة إعلامياً، وهى فى الحقيقة دولة «اعتدال» فاشلة، والمطلوب على يد البرادعى أو غيره أن تكون دولة اعتدال فاعلة أو حقيقية.

ولكن السؤال: إذا كان البرادعى يحمل مواصفات رئيس انتقالى أو منتخب، فمن سيرشحه؟

الحقيقة أن أبرز ما فى رسالة البرادعى هو قراره الاعتماد على ترشيح الناس من أجل النضال سلمياً لتعديل الدستور، متناسياً أنه لا يوجد فى مصر ناس قادرة على فرض الإصلاح السياسى والديمقراطى لأنها ببساطة قضية خارج اهتمام غالبيتهم العظمى، وبالتالى فإن تصور أن هناك جماهير مستعدة لأن ترشح البرادعى لرئاسة الجمهورية أو تقف خلفه من أجل تعديل دستور هو فى الحقيقة أمر غير واقعى، لأنه يراهن على جماهير افتراضية، ويدخل فى إطار الأمنيات الطيبة.

الحقيقة أن خيار الجماهير التى تنتظر البرادعى لكى تعمل معه من أجل الإصلاح السياسى والدستورى هو واحد من الأوهام الكبرى التى روجها البعض وستورط البرادعى وتضيفه إلى قائمة الفشل الطويلة التى تضم معظم قيادات المعارضة والحركات السياسية المصرية، لأن النظام نجح فى إدخال كل الفاعلين السياسيين الذين قالوا إنهم «جماهيريين» فى دائرة جهنمية من المعارك الصغيرة، واستنزاف الطاقة فى الرد على شتائم هنا ومؤامرات هناك، تتفرج عليها الجماهير، وهى فى رحلة بحثها عن لقمة العيش.

وأصبح هذا الواقع بكل رتابته وجموده وعشوائيته غير قادر على فرز بديل إصلاحى من قلب الفاعلين السياسيين، ولكن ربما سيفرزه من «غير الفاعلين» كالبرداعى، وهؤلاء قد ينالون دعم بعض النشطاء السياسيين غير المنغمسين فى تفاصيل العمل اليومى والمؤامرات الحزبية، ولديهم رؤية نقدية لأوضاع تنظيماتهم القائمة، وقادرون على الخروج من «العمى الأيديولوجى» ويقرأون الواقع كما هو، وهؤلاء يمكن أن يساعدوا «الإصلاحيين الكامنين» داخل الدولة المصرية على أخذ المشرط ودعم مشروع البرادعى «الجراحى» الذى يجب أن يكون بالتوافق مع بعض أجنحة الدولة الرافضة - ولو ضمنّا - مشروع التوريث.

إن قوة البرادعى فى أنه نموذج توافقى، لديه خبرة تحتاجها مصر، ولكنه يصر على أن يفقد هذه القوة بدخوله فى مستنقع سبق أن دخله آخرون وفشلوا، متصورا أن لديه حصانة خاصة تحول دون تكرار هذا الفشل.

سيكتشف البرادعى قريبا أن قادة الجماهير والرأى العام فى مصر هم هؤلاء الذين طالبوا برفع علم بلاده بسبب مباراة كرة قدم، وأن الشعبية المفاجئة التى نالها علاء مبارك جاءت بعد تصريحاته النارية عقب مباراة الجزائر وليس بسبب نشاطه أو موهبته السياسية،

كما أن نفس «الفيس بوك» الذى رشح الدكتور البرادعى عاد ورشح، أمس الأول، الشيخ على جمعة، مفتى الجمهورية، رئيساً للجمهورية، وغداً، سيرشح عمرو خالد، وبعد غد مصطفى عبده وخالد الغندور ومدحت شلبى وباقى «الكباتن» الذين هتفوا وصرخوا بعد مباراة الجزائر.. ولا أستبعد أيضاً إذا قرر المطرب الشعبى شعبان عبدالرحيم أن يقدم أغنية «وطنية» ضد الجزائر، أن ينال شعبية كبيرة لدى الرأى العام ويصبح هو بدوره مرشحاً مهماً فى انتخابات الرئاسة.

علينا أن نتأمل شكل النخبة المصرية فى العهد الحالى فى الإعلام والسياسة والرياضة والدين، ونقارنها بأى مرحلة فى تاريخ مصر الحديث، لنكتشف حجم الكارثة التى نعيشها، وأنه لا مكان للبرادعى وأمثاله وسط هؤلاء إلا إذا جاء بترتيب ما أو بتوافق تلعب فيه الأقدار وليس الجماهير دوراً رئيسياً فى صناعته.

سيفشل البرادعى إذا تصور أن هناك رأياً عاماً مهتماً بقضية الإصلاح السياسى والدستورى، ومستعداً أن يدفع ثمنها، هذا ليس عيباً جينياً فى الناس الذين راهن عليهم البرادعى، إنما هو حصيلة مناخ سياسى واجتماعى جعل الناس غير قادرين على القيام بأى فعل.
نقلا عن جريدة المصري اليوم

الجمعة، 4 ديسمبر 2009

العودة للجاهلية الأولى..الجزائر ومصر وملهاة عبادة النجوم


العودة للجاهلية الأولى
الجزائر ومصر وملهاة عبادة النجوم


على اسماعيل العتباني

لماذا تتراجع الأجندات الكبيرة لمصلحة حوادث كرة القدم ولمصلحة «التنميط» الفني؟.. ومعلوم ان الرياضة من مطلوبات الحياة الأساسية، فالعقل السليم في الجسم السليم.. وصحيح أيضاً أن أصحاب الاحتياجات الخاصة قد يكونون عباقرة.. ولكن العاهة قد تولد بعض العقد النفسية والشعور بالعجز والنقص. ما لم يتدارك المجتمع مسؤولياته في ذلك.. والجسم الصحيح يعطي الدفع المعنوي والحسي والفكري المتوازن الخالي من ضغوط النقص والعجز.. لذا فإن ممارسة الرياضة من المطلوبات الملحة خصوصاً في هذا العصر.. وجاء في الحديث الشريف «علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل».. وليس هناك من هو ضد الرياضة أصلاً..

وحوش كاسرة
رأينا كيف أن كرة القدم حولت الشباب في الساحتين المصرية والجزائرية وحوشاً كاسرة كل منهما يريد إفتراس الآخر، وتلاشت بذلك الأجندة القومية الكبيرة وتلاشت كذلك قضية فلسطين وحصار غزة وقضية دارفور والصومال.

ورأينا الجسور الجوية التي تقام لا لنقل الغذاء والكساء والأطباء والمعلمين الى الصومال أو دارفور أو غزة أو غيرها، ولكن لتشجيع الهرج والمرج والهوس الكروي...

رأينا جماعات بينها مراهقون ومدمنون في الخرطوم ينقلون بملايين الدولارات فيما لا يفيد.. وحمّلت الخرطوم فوق طاقتها.. الخرطوم المثقلة بأعباء دارفور والجنوب ورهق التدخل الأجنبي وجدت نفسها مضطرة لإيواء عشرات الآلاف من البشر الذين لا مصلحة لهم فيها إلا القبول بحكم الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» وإلا محاولة حل نزاع بين طرفين.

شطارة الجزائريين
ويجب علينا بعد أن انتهت تلك «الملهاة» أن نناقش بعض القضايا بصراحة.. فلقد كان واضحاً تعاطف قطاعات مقدرة من السودانيين مع الجزائر وذلك في تقديرنا يرجع الى «شطارة» السفارة الجزائرية في الخرطوم التي أفلحت في توزيع كميات مهولة من «أعلام» بلدها في شوارع الخرطوم، وكان واضحاً تأثير تلك الأعلام في تشكيل تيارات مقدرة من الرأي العام لشرائح من المجتمع السوداني التي ربما لا تعرف الجزائر، وربما لأن علم الجزائر يحمل دلالات إسلامية «الهلال والنجمة» والمقتبس من العلم العثماني خصوصاً وأن رؤية العثمانيين في المغرب العربي تختلف عن رؤية المشرق العربي. ففي المغرب العربي وفّر العثمانيون الحماية للمغرب ضد الهجمات الصليبية وضد أوروبا.. بينما العلم المصري وكل أعلام الدول العربية المشرقية مستمدة من علم الثورة العربية التي اعتمدت ألوانه الجامعة العربية.. تلك الثورة التي قادها الشريف حسين.

والمعلوم أن كل علم في المشرق العربي ينمط مع اختلاف تقديم أو تأخير لون عن آخر عن علم الثورة العربية.. ولأن صورة العثمانيين في المشرق العربي ارتبطت بالإستبداد والدكتاتورية.. ولأن الثقافة المشرقية أبرزت «العثمانية» كشوفونية قومية ضد القومية العربية.. وسواء أكان ذلك صواباً أ و خطأً، فإننا لسنا بصدد مناقشة ذلك الآن. ولكن من المؤكد ان علم العثمانيين محبوب في المغرب العربي.. بل إنه محبوب وسط المجتمعات المشرقية ذات البُعد الصوفي.. ولكنه غير محبوب وسط النخب التي تغذت على الفرانكفونية والأنجلوفونية في المشرق والمغرب العربيين وهذا من ناحية.

أم الدنيا
ومن ناحية اخرى فإن الشباب العربي الذي ينظر الى مصر كقوة استراتيجية وعظمى ويسميها «أم الدنيا» أو كان كذلك.. أصبح مصدوماً في مواقف مصر في «غزة».. ومصدوماً في موقف مصر ابتداء من حقبة كامب ديفيد، وهو منظر قائم على التطبيع مع إسرائيل وقائم على «السلبية» تجاه كل القضايا القومية.. ابتداء من إغلاق المعابر في غزة الى ترك السودان ضحية للمؤامرات الأجنبية، الى إهمال دور مصر في القضايا الكبرى كقضية الصومال وغيرها.
وكثير من الشباب السوداني كذلك ناقم على تباطؤ مصر في تنفيذ «روشتة» الحريات الاربع التي قبل بها السودان وطبقها.. بينما مصر الدولة لا تمنح حتى روشتة الدخول وتستنكف ان تلغى هذا الشرط أمام وجه الشباب السوداني في وقت يجد فيه الشاب السوداني هذا الشرط غير معمول به في سوريا وليبيا والعراق والاردن.

وكذلك فإن ما زاد من سلبية صورة مصر لدى بعض الشباب السوداني ما حدث في «ميدان المهندسين» وسواء كان تصرف الشرطة المصرية صحيحاً أو غير ذلك إلا أن تلك الصورة أصبحت مغروسة وعلى الأخص في نفوس الشباب الجنوبي والصحافة الجنوبية التي ما زالت تجتر ما حدث للشباب الجنوبي في ميدان المهندسين الشهير....وكذلك موقف مصر من «حلايب» وقد رأينا حتى الشباب الجزائري يهتف بقضية حلايب لإستدرار عطف السودانيين....وكذلك فإن الثقافة المحيطة بقضايا السودان في مصر الرسمية أحياناً تعالج بصورة سطحية تعطي بُعداً سلبياً للعقل المصري وتصل هذه الصورة الى الشباب السوداني ويأخذ منها جرعات مشوهة.

صورة سلبية
وربما تكون هذه الصورة السلبية راكزة وموجودة لدى الشباب الجزائري بصورة أشد.. ولكن الشباب السوداني لا يعرف الجزائر ويرسم صورة للجزائر غير حقيقية ويتلقى بادرات فكرة عن الجزائر عن ما سمعه عن نضال الجزائريين وأرض المليون شهيد ورمزيات أغاني الكابلي وقليل من هنا وهناك.

وما يهم بعد ذلك وقبله ان الاجندة الكبرى أصبحت تنكمش وتتضاءل مصلحة الهوس والاهتمامات الصغيرة، وتجنيد اهتمامات دول بحجم مصر للتقصي اللاهث لتوافه الأمور.. وقد رأينا بعض أهل مصر يتقصون قضايا صغيرة ويبحثون فيها كأنهم يسلخون جلد «النملة» من أجل إيجاد كبش فداء للهزيمة.

وإذا كان رب البيت بالدف ضارباً
فشيمة أهل البيت الرقص والطرب

كان من المأمول ان تصبح الحريات الأربع أساساً لوحدة وادي النيل.. ومنها حرية الانتقال أساساً لتجسير الثقافة والتنمية والحرية وكرامة الإنسان.. وليس تهييج الشحناء والبغضاء ودفع السوداني لشتم أخيه المصري أو الجزائري بالوكالة.

عبادة النجوم
ولكن كذلك فإن لهذه القضية أبعاداً أخرى تتصل بما نسميه «عبادة النجوم» وهي إبراز المتفوقين أو المبدعين في مجالات الفن والرياضة والغناء والسينما وكأنهم أنبياء.. ومحاولة تنميط الجو الفكري والثقافي على أساس سلوكيات هؤلاء النجوم.. وجعل مشروعية الدولة مستمدة من «عبادة النجوم» وفي ذلك يتم تضخيم النجوم.

ولعل عبادة النجوم أو الشخصيات المبدعة حتى ولو كانوا على غير أخلاق الشعب، وكانوا يسيرون على غير وتيرة الشعب.. وكان لهم دينهم الخاص الذين ينطوي على عبادة الذات والجنس والإغراء وعبادة الجمال.. وهي عبادة قديمة.. ولكننا يمكن ان نحمل وزرها في مصر الحديثة لمصر الخديوية.. حيث نمت تلك الظواهر في عهد الملك «فاروق» ثم سقاها وتعهدها جمال عبدالناصر.. وتابعها السادات..وجاءت الصهيونية والاستخبارات الأجنبية لتضخم دور «النجوم» في المجتمع المصري والعربي عموماً.. نجوم السينما والمسرح والمطربين.. وبرزت مجلات تخصصت في النجوم وحياتهم وأخبارهم كالكواكب.. وأصبحت طبقة «النجوم» فوق طبقة المصلحين.. وأعلى مقاماً من الإمام محمد عبده والعقاد وطه حسين والمازني والرافعي ومالك بن نبي وأساتذة الجامعات.. وأصبحت طبقة النجوم الممتدة من سيد درويش وأم كلثوم وماجدة وفريد الأطرش ووردة الجزائرية وفاتن حمامة وحسن شحاتة وأبوتريكة والحضري هي الأساس الذي تُقاس عليه المواقف وتنمط على شاكلته الشخصيات.. وأصبح المساس بالنجوم مساساً بشخصية مصر.. ولذلك يمكن لمصر ان تطرد الشيخ القرضاوي وتطرد الداعية عمرو خالد ولكنها تضخم النجم وتهمش أدوار محمد سليم العوا وطارق البشرى.. ويصبح المعيار الأساسي هو قيم ليلى علوي وهيفاء وهبي ومحمد فؤاد وإبراهيم حجازي وعمرو أديب.. بينما يهمش رسل السلام والتدين والقيم. ولعل هذه الازدواجية لا تكاد تخطئها العين في مصر أو الجزائر.. ولذلك فإن المساس بالنجوم أو هزيمتهم في مباراة، إنما هي طعن في شرعية النظام التي تقوم جزء من شرعيته على عبادة النجوم.. ويقوم على تسويق النجوم.. ويقوم على كسب نقاط إضافية كلما أبرز نجماً أو كسب مباراة في كرة القدم!

داحس والغبراء
ولذلك لاعجب ان أصبحت مباراة الجزائر ومصر كمعركة «داحس والغبراء» .. وأعادت معارك الجاهلية الأولى .. لتصبها في «جاهلية القرن العشرين»!

ولكن كذلك هناك نقاط إضافية جزى الله الشدائد عنا كل خير.. لأن تلك المعركة في غير معترك كشفت طبيعة الشعوب الثلاثة.. حيث أبرزت الشخصية المصرية كشخصية ميالة إلى أنصاف الحلول حينما تجابه وتصعد حينما تجد الجو في صالحها ولسان حالها دائماً سليط.. وحينما تجد الظروف موضوعية لا تراعي إلاًّ ولا ذمة، في من تريد جلده، ولو كان صديقها.. ولو كان عمقها....أما الشخصية الجزائرية فلقد كشفت الأحداث أنها تميل للعنف وتصفية الحسابات ويكفي ما حدث في شوارع الخرطوم وما حدث في مطار الخرطوم....أما الشخصية السودانية فإنها شخصية متساهلة ومسامحة تتكلم عن الإخاء.. ولكن تأتي الرياح بما لا يشتهي السفن، يصدمها.. بمثل ما حدث في المطار وما حدث عندما فتحت أبوابها للعوام من الدخول دون تأشيرات، وبدلاً من ان يحسنوا الصنيع فإذا بهم أساءوا للسودان ولمطاره وشعبه.

والفائدة.. أن ما جرت أحداثه في الخرطوم يشي بخواء فكري وروحي كبيرين، ولذلك يجب علينا تأصيل هذه الظاهرة الوافدة علينا من الثقافة الغربية.. فعبادة النجوم أصلاً برزت في أوروبا منذ أن كان الرومان يؤلهون أبطالهم في المصارعة وفي القتال ويصنعون لهم التماثيل لتمجيدهم.. ولقد تنامت هذه الظاهرة لتغشى الملاعب الأوروبية وتنتقل منها الى العالمين العربي والاسلامي.. ولكن الاسلام كما يدعونا للرياضة البدنية والعقلية.. يأمرنا بالتأدب والتسامح وقبول الآخر.. وينهانا عن التباغض والشحناء.. ولذلك يجب على الإعلام وعلى مؤسسات الدولة التربوية والرياضية، ترسيخ هذه المفاهيم وملء الخواء العقدي والفكري الذي يعاني منه الشباب، حتى نستطيع توجيه الرأي العام للأمة نحو منهجية تقودنا نحو النهضة والتنمية وغد أفضل.
نقلا عن: صحيفة الرأي العام السودانية
http://www.rayaam.info/Raay_view.aspx?pid=457&id=33252